فصل: تفسير الآيات رقم (1- 12)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير النسفي المسمى بـ «مدارك التنزيل وحقائق التأويل» ***


سورة النجم

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 22‏]‏

‏{‏وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ‏(‏1‏)‏ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ‏(‏2‏)‏ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ‏(‏3‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ‏(‏4‏)‏ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ‏(‏5‏)‏ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ‏(‏6‏)‏ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ‏(‏7‏)‏ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ‏(‏8‏)‏ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ‏(‏9‏)‏ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ‏(‏10‏)‏ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ‏(‏11‏)‏ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ‏(‏12‏)‏ وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى ‏(‏13‏)‏ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ‏(‏14‏)‏ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ‏(‏15‏)‏ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ‏(‏16‏)‏ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ‏(‏17‏)‏ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ‏(‏18‏)‏ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ‏(‏19‏)‏ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ‏(‏20‏)‏ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى ‏(‏21‏)‏ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏والنجم‏}‏ أقسم بالثريا أو بجنس النجوم ‏{‏إِذَا هوى‏}‏ إذا غرب أو انتثر يوم القيامة وجواب القسم ‏{‏مَا ضَلَّ‏}‏ عن قصد الحق ‏{‏صاحبكم‏}‏ أي محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب لقريش ‏{‏وَمَا غوى‏}‏ في اتباع الباطل‏.‏ وقيل‏:‏ الضلال نقيض الهدى والغي نقيض الرشد أي هو مهتد راشد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغي ‏{‏وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى‏}‏ وما أتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه إنما هو وحي من عند الله يوحى إليه‏.‏ ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي لا نطقاً عن الهوى‏.‏ ‏{‏علَّمَهُِ‏}‏ علم محمداً عليه السلام ‏{‏شَدِيدُ القوى‏}‏ ملك شديد قواه والإضافة غير حقيقية لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهو جبريل عليه السلام عند الجمهور، ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين ‏{‏ذُو مِرَّةٍ‏}‏ ذو منظر حسن عن ابن عباس ‏{‏فاستوى‏}‏ فاستقام على صورة نفسه الحقيقية دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وكان ينزل في صورة دحية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس فملأ الأفق‏.‏ وقيل‏:‏ ما رآه أحد من الأنبياء عليهم السلام في صورته الحقيقية سوى محمد صلى الله عليه وسلم مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء‏.‏

‏{‏وَهُوَ‏}‏ أي جبريل عليه السلام ‏{‏بالأفق الأعلى‏}‏ مطلع الشمس ‏{‏ثُمَّ دَنَا‏}‏ جبريل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏فتدلى‏}‏ فزاد في القرب، والتدلي هو النزول بقرب الشيء ‏{‏فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ‏}‏ مقدار قوسين عربيتين‏.‏ وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع ومنه‏:‏ «لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين»، وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها ‏"‏ والقد السوط وتقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين فحذفت هذه المضافات ‏{‏أَوْ أدنى‏}‏ أي على تقديركم كقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ يَزِيدُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 147‏]‏ وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم ومقدار فهمهم وهم يقولون هذا قدر رمحين أو أنقص‏.‏ وقيل‏:‏ بل أدنى ‏{‏فأوحى‏}‏ جبريل عليه السلام ‏{‏إلى عَبْدِهِ‏}‏ إلى عبد الله وإن لم يجر لاسمه ذكر لأنه لا يلتبس كقوله ‏{‏مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 45‏]‏ ‏{‏مَا أوحى‏}‏ تفخيم للوحي الذي أوحي إليه‏.‏

قيل‏:‏ أوحي إليه إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك ‏{‏مَا كَذَبَ الفؤاد‏}‏ فؤاد محمد ‏{‏مَا رأى‏}‏ ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق‏.‏ وقيل‏:‏ المرئي هو الله سبحانه، رآه بعين رأسه وقيل بقلبه ‏{‏أفتمارونه‏}‏ أفتجادلونه من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، ‏{‏أفتمارونه‏}‏ حمزة وعلي وخلف ويعقوب، أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته ولما فيه من معنى الغلبة قال ‏{‏على مَا يرى‏}‏ فعدي ب «على» كما تقول غلبته على كذا‏.‏ وقيل‏:‏ أفتمرونه أفتجحدونه يقال‏:‏ مريته حقه إذا جحدته وتعديته ب «على» لا تصح إلا على مذهب التضمين‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ رَءاهُ‏}‏ رأى محمد جبريل عليهما السلام ‏{‏نَزْلَةً أخرى‏}‏ مرة أخرى من النزول نصبت النزلة نصب الظرف الذي هو مرة لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل فكانت في حكمها أي نزل عليه جبريل عليه السلام نزلة أخرى في صورة نفسه فرآه عليها وذلك ليلة المعراج ‏{‏عِندَ سِدْرَةِ المنتهى‏}‏ الجمهور على أنها شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش‏.‏ والمنتهى بمعنى موضع الانتهاء أو الانتهاء كأنها في منتهى الجنة وآخرها، وقيل‏:‏ لم يجاوزها أحد وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم ولا يعلم أحد ما وراءها‏.‏ وقيل‏:‏ تنتهي إليها أرواح الشهداء ‏{‏عِندَهَا جَنَّةُ المأوى‏}‏ أي الجنة التي يصير إليها المتقون‏.‏ وقيل‏:‏ تأوي إليها أرواح الشهداء ‏{‏إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى‏}‏ أي رآه إذ يغشى السدرة ما يغشى، وهو تعظيم وتكثير لما يغشاها، فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله تعالى وجلاله أشياء لا يحيط بها الوصف‏.‏ وقد قيل‏:‏ يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله تعالى عندها‏.‏ وقيل‏:‏ يغشاها فراش من ذهب ‏{‏مَا زَاغَ البصر‏}‏ بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها ‏{‏وَمَا طغى‏}‏ وما جاوز ما أمر برؤيته‏.‏

‏{‏لَقَدْ رأى‏}‏ والله لقد رأى ‏{‏مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى‏}‏ الآيات التي هي كبراها وعظماها يعني حين رقي به إلى السماء فأري عجائب الملكوت‏.‏

‏{‏أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى * ومناة الثالثة‏}‏ أي أخبرونا عن هذه الأشياء التي تعبدونها من دون الله عز وجل هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة‏؟‏ اللات والعزى ومناة أصنام لهم وهي مؤنثات، فاللات كانت لثقيف بالطائف‏.‏ وقيل‏:‏ كانت بنخلة تعبدها قريش وهي فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، والعزى كانت لغطفان وهي ثمرة وأصلها تأنيث الأعز وقطعها خالد بن الوليد، ومناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة‏.‏

وقيل‏:‏ لثقيف وكأنها سميت مناة لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق ‏{‏ومناءة‏}‏ مكي مفعلة من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها ‏{‏الأخرى‏}‏ هي صفة ذم أي المتأخرة الوضيعة المقدار، كقوله ‏{‏وَقَالَتِ أُخْرَاهُمْ لأولاهم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 38‏]‏ أي وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم، ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى كانوا يقولون‏:‏ إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله مع وأدهم البنات وكراهتهم لهن فقيل لهم ‏{‏أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى‏}‏ أي جعلكم لله البنات ولكم البنين قسمة ضيزى أي جائزة من ضازه يضيزه إذا ضامه‏.‏ و‏{‏ضيزى‏}‏ فعلى إذ لا فعلى في النعوت فكسرت الضاد للياء كما قيل «بيض» وهو بوض مثل حمر وسود، ‏{‏ضئزى‏}‏ بالهمز‏:‏ مكي من ضأزه مثل ضازه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 38‏]‏

‏{‏إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ‏(‏23‏)‏ أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى ‏(‏24‏)‏ فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى ‏(‏25‏)‏ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ‏(‏26‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى ‏(‏27‏)‏ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ‏(‏28‏)‏ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏29‏)‏ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ‏(‏30‏)‏ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ‏(‏31‏)‏ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ‏(‏32‏)‏ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ‏(‏33‏)‏ وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى ‏(‏34‏)‏ أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ‏(‏35‏)‏ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ‏(‏36‏)‏ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ‏(‏37‏)‏ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏إِنْ هِىَ‏}‏ ما الأصنام ‏{‏إِلاَّ أَسْمَاء‏}‏ ليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشذ منافاة لها ‏{‏سَمَّيْتُمُوهَا‏}‏ أي سميتم بها يقال سميته زيداً وسميته بزيد ‏{‏أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان‏}‏ حجة ‏{‏إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن‏}‏ إلا توهم أن ما هم عليه حق ‏{‏وَمَا تَهْوَى الأنفس‏}‏ وما تشتهيه أنفسهم ‏{‏وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الهدى‏}‏ الرسول والكتاب فتركوه ولم يعملوا به ‏{‏أَمْ للإنسان مَا تمنى‏}‏ هي «أم» المنقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي ليس للإنسان يعني الكافر ما تمنى من شفاعة الأصنام أو من قوله‏:‏ ‏{‏وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 50‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو تمني بعضهم أن يكون هو النبي ‏{‏فَلِلَّهِ الآخرة والأولى‏}‏ أي هو مالكهما وله الحكم فيهما يعطى النبوة والشفاعة من شاء وارتضى لا من تمني‏.‏

‏{‏وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى السماوات لاَ تُغْنِى شفاعتهم شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَاء ويرضى‏}‏ يعني أن أمر الشفاعة ضيق فإن الملائكة مع قربتهم وكثرتهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم شيئاً قط، ولا تنفع إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلاً لأن يشفع له فكيف تشفع الأصنام إليه لعبدتهم ‏{‏إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة‏}‏ أي كل واحد منهم ‏{‏تَسْمِيَةَ الأنثى‏}‏ لأنهم إذا قالوا للملائكة بنات الله فقد سموا كل واحد منهم بنتاً وهي تسمية الأنثى‏.‏

‏{‏وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ‏}‏ أي بما يقولون وقرئ بها أي بالملائكة أو التسمية ‏{‏إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن‏}‏ هو تقليد الآباء ‏{‏وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئاً‏}‏ أي إنما يعرف الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظن والتوهم ‏{‏فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا‏}‏ فأعرض عمن رأيته معرضاً عن ذكر الله أي القرآن ‏{‏وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا * ذلك‏}‏ أي اختيارهم الدنيا والرضا بها ‏{‏مَبْلَغُهُمْ مّنَ العلم‏}‏ منتهى علمهم ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى‏}‏ أي هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازيهما‏.‏

‏{‏وَلِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض لِيَجْزِىَ الذين أسائوا بِمَا عَمِلُواْ‏}‏ بعقاب ما عملوا من السوء أو بسبب ما عملوا من السوء ‏{‏وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى‏}‏ بالمثوبة الحسنى وهي الجنة أو بسبب الأعمال الحسنى، والمعنى أن الله عز وجل إنما خلق العالم وسوى هذه الملكوت ليجزي المحسن من المكلفين والمسيء منهم إذ الملك أهل لنصر الأولياء وقهر الأعداء ‏{‏الذين‏}‏ بدل أو في موضع رفع على المدح أي هم الذين ‏{‏يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم‏}‏ أي الكبائر من الإثم لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر والكبائر الذنوب التي يكبر عقابها، ‏{‏كَبِيرٌ‏}‏ حمزة وعلي أي النوع الكبير منه ‏{‏والفواحش‏}‏ ما فحش من الكبائر كأنه قال‏:‏ والفواحش منها خاصة‏.‏

قيل‏:‏ الكبائر ما أوعد الله عليه النار والفواحش ما شرع فيها الحد ‏{‏إِلاَّ اللمم‏}‏ أي الصغائر والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر والفواحش وهو كالنظرة والقبلة واللمسة والغمزة ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة‏}‏ فيغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة ‏{‏هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ‏}‏ أي أباكم ‏{‏مّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ‏}‏ جمع جنين ‏{‏فِى بُطُونِ أمهاتكم فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ‏}‏ فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعات، أو إلى الزكاة والطهارة من المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولاً وآخراً قبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه السلام، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم‏.‏ وقيل‏:‏ كان ناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا فنزلت‏.‏ وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء لا على سبيل الاعتراف بالنعمة فإنه جائز لأن المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر ‏{‏هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى‏}‏ فاكتفوا بعلمه عن علم الناس وبجزائه عن ثناء الناس‏.‏

‏{‏أَفَرَأَيْتَ الذى تولى‏}‏ أعرض عن الإيمان‏.‏

‏{‏وأعطى قَلِيلاً وأكدى‏}‏ قطع عطيته وأمسك، وأصله إكداء الحافر وهو أن تلقاه كدية وهي صلابة كالصخرة فيمسك عن الحفر‏.‏ عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ فيمن كفر بعد الإيمان‏.‏ وقيل‏:‏ في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين وقال له‏:‏ تركت دين الأشياخ وزعمت أنهم في النار‏.‏ قال‏:‏ إني خشيت عذاب الله‏.‏ فضمن له إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله ففعل وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه ‏{‏أَعِندَهُ عِلْمُ الغيب فَهُوَ يرى‏}‏ فهو يعلم أن ما ضمنه من عذاب الله حق ‏{‏أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ‏}‏ يخبر ‏{‏بِمَا فِى صُحُفِ موسى‏}‏ أي التوراة ‏{‏وإبراهيم‏}‏ أي وفي صحف إبراهيم ‏{‏الذى وفى‏}‏ أي وفر وأتم كقوله ‏{‏فَأَتَمَّهُنَّ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 124‏]‏ وإطلاقه ليتناول كل وفاء وتوفية‏.‏ وقرئ مخففاً والتشديد مبالغة في الوفاء‏.‏ وعن الحسن‏:‏ ما أمره الله بشيء إلا وفى به، وعن عطاء بن السائب‏:‏ عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما قذف في النار قال له جبريل‏:‏ ألك حاجة‏؟‏ فقال أما إليك فلا‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الضحى»

ورُوي ‏"‏ ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى‏؟‏ كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى‏:‏ ‏{‏فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ‏}‏ إلى ‏{‏حِينٍ تُظْهِرُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 18‏]‏ ‏"‏ وقيل‏:‏ وفي سهام الإسلام وهي ثلاثون‏:‏ عشرة في «التوبة» ‏{‏التائبون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 112‏]‏، وعشرة في «الأحزاب» ‏{‏إِنَّ المسلمين‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 35‏]‏ وعشرة في «المؤمنين» ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 1‏]‏ ثم أعلم بما في صحف موسى وإبراهيم فقال ‏{‏أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى‏}‏ تزر من وزر يزر إذا اكتسب وزراً وهو الإثم، و«إن» مخففة من الثقيلة والمعنى أنه لا تزر والضمير ضمير الشأن ومحل «أن» وما بعدها الجر بدلاً من ‏{‏مَا فِى صُحُفِ موسى‏}‏ أو الرفع على هو أن لا تزر كأن قائلاً قال‏:‏ وما في صحف موسى وإبراهيم‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى‏}‏ أي لا تحمل نفس ذنب نفس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 62‏]‏

‏{‏وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ‏(‏39‏)‏ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ‏(‏40‏)‏ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ‏(‏41‏)‏ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ‏(‏42‏)‏ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ‏(‏43‏)‏ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ‏(‏44‏)‏ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏(‏45‏)‏ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ‏(‏46‏)‏ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى ‏(‏47‏)‏ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ‏(‏48‏)‏ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ‏(‏49‏)‏ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ‏(‏50‏)‏ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ‏(‏51‏)‏ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ‏(‏52‏)‏ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ‏(‏53‏)‏ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ‏(‏54‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ‏(‏55‏)‏ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى ‏(‏56‏)‏ أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ ‏(‏57‏)‏ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ‏(‏58‏)‏ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ‏(‏59‏)‏ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ‏(‏60‏)‏ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ‏(‏61‏)‏ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ‏(‏62‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى‏}‏ إلا سعيه وهذه أيضاً مما في صحف إبراهيم وموسى، وأما ما صح في الأخبار من الصدقة عن الميت والحج عنه فقد قيل‏:‏ إن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه لكونه تابعاً له وقائماً بقيامه، ولأن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه ولكن إذا نواه به فهو بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه ‏{‏وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى‏}‏ أي يرى هو سعيه يوم القيامة في ميزانه ‏{‏ثُمَّ يُجْزَاهُ‏}‏ ثم يجزى العبد سعيه‏.‏ يقال‏:‏ جزاه الله عمله وجزاه على عمله بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء‏.‏ ثم فسره بقوله ‏{‏الجزاء الأوفى‏}‏ أو أبدله عنه ‏{‏وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى‏}‏ هذا كله في الصحف الأولى‏.‏ والمنتهى مصدر بمعنى الانتهاء أي ينتهي إليه الخلق ويرجعون إليه كقوله‏:‏ ‏{‏وإلى الله المصير‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 28‏]‏ ‏{‏وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى‏}‏ خلق الضحك والبكاء‏.‏ وقيل‏:‏ خلق الفرح والحزن‏.‏ وقيل‏:‏ أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب و‏{‏وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا‏}‏ قيل‏:‏ أمات الآباء وأحيا الأبناء، أو أمات بالكفر وأحيا بالإيمان، أو أمات هنا وأحيا ثمة ‏{‏وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى‏}‏ إذا تدفق في الرحم يقال منى وأمنى ‏{‏وَأَنَّ عَلَيْهِ النشأة الأخرى‏}‏ الإحياء بعد الموت ‏{‏وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى‏}‏ وأعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك‏.‏

‏{‏وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى‏}‏ هو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر وكانت خزاعة تعبدها، فأعلم الله أنه رب معبودهم هذا ‏{‏وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولى‏}‏ هم قوم هود وعاد الأخرى إرم ‏{‏عَادٍ الولى‏}‏ مدني وبصري غير سهل بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة ‏{‏أُوْلِى‏}‏ ونقل ضمتها إلى لام التعريف ‏{‏وَثَمُودَاْ فَمَا أبقى‏}‏ حمزة وعاصم الباقون ‏{‏وَثَمُودَاْ‏}‏ وهو معطوف على ‏{‏عَاداً‏}‏ ولا ينصب ب ‏{‏فَمَا أبقى‏}‏ لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله لا تقول‏:‏ زيداً فضربت، وكذا ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله، والمعنى وأهلك ثمود فما أبقاهم‏.‏

‏{‏وَقَوْمَ نُوحٍ‏}‏ أي أهلك قوم نوح ‏{‏مِن قَبْلُ‏}‏ من قبل عاد وثمود ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وأطغى‏}‏ من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حرام وينفرون عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه ‏{‏والمؤتفكة‏}‏ والقرى التي ائتفكت بأهلها أي انقلبت وهم قوم لوط يقال‏:‏ أفكه فأتفك ‏{‏أهوى‏}‏ أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها و‏{‏المؤتفكة‏}‏ منصوب ب ‏{‏أهوى‏}‏ ‏{‏فغشاها‏}‏ ألبسها ‏{‏مَا غشى‏}‏ تهويل وتعظيم لما صب عليها من العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود ‏{‏فَبِأَىّ الآء رَبّكَ‏}‏ أيها المخاطب ‏{‏تتمارى‏}‏ تتشكك بما أولاك من النعم أو بما كفاك من النقم، أو بأي نعم ربك الدالة على وحدانيته وربوبيته تشكك ‏{‏هذا نَذِيرٌ‏}‏ أي محمد منذر ‏{‏مّنَ النذر الأولى‏}‏ من المنذرين الأولين‏.‏

وقال ‏{‏الأولى‏}‏ على تأويل الجماعة أو هذا القرآن نذير من النذر الأولى أي إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم ‏{‏أَزِفَتِ الآزفة‏}‏ قربت الموصوفة بالقرب في قوله‏:‏ ‏{‏اقتربت الساعة‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 1‏]‏ ‏{‏لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله كَاشِفَةٌ‏}‏ أي ليس لها نفس كاشفة أي مبينة متى تقوم كقوله‏:‏ ‏{‏لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 187‏]‏‏.‏ أو ليس لها نفس كاشفة أي قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله تعالى غير أنه لا يكشفها ‏{‏أَفَمِنْ هذا الحديث‏}‏ أي القرآن ‏{‏تَعْجَبُونَ‏}‏ إنكاراً ‏{‏وَتَضْحَكُونَ‏}‏ استهزاء ‏{‏وَلاَ تَبْكُونَ‏}‏ خشوعاً ‏{‏وَأَنتُمْ سامدون‏}‏ غافلون أو لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء ليشغلوا الناس عن استماعه ‏{‏فاسجدوا لِلَّهِ واعبدوا‏}‏ أي فاسجدوا لله واعبدوه ولا تعبدوا الآلهة، والله أعلم‏.‏

سورة القمر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 12‏]‏

‏{‏اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ‏(‏1‏)‏ وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ‏(‏2‏)‏ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ‏(‏3‏)‏ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ‏(‏4‏)‏ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ‏(‏5‏)‏ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ‏(‏6‏)‏ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ‏(‏7‏)‏ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ‏(‏8‏)‏ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ‏(‏9‏)‏ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ‏(‏10‏)‏ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ‏(‏11‏)‏ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏اقتربت الساعة‏}‏ قربت القيامة ‏{‏وانشق القمر‏}‏ نصفين‏.‏ وقرئ ‏{‏وَقَدْ انشق‏}‏ أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق كما تقول‏:‏ أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه‏.‏ قال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ رأيت حراء بين فلقتي القمر‏.‏ وقيل‏:‏ معناه ينشق يوم القيامة‏.‏ والجمهور على الأول وهو المروي في الصحيحين‏.‏ ولا يقال لو انشق لما خفي على أهل الأقطار ولو ظهر عندهم لنقلوه متواتراً لأن الطباع جبلت على نشر العجائب لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم ‏{‏وَإِن يَرَوْاْ‏}‏ يعني أهل مكة ‏{‏ءايَةً‏}‏ تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏يُعْرِضُواْ‏}‏ عن الإيمان به ‏{‏وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ‏}‏ محكم قوي من المرة القوة أو دائم مطرد أو مار ذاهب يزول ولا يبقى ‏{‏وَكَذَّبُواْ‏}‏ النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏واتبعوا أَهْوَاءهُمْ‏}‏ وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره ‏{‏وَكُلُّ أَمْرٍ‏}‏ وعدهم الله ‏{‏مُّسْتَقِرٌّ‏}‏ كائن في وقته‏.‏ وقيل‏:‏ كل ما قدر واقع‏.‏ وقيل‏:‏ كل أمر من أمرهم واقع مستقر أي سيثبت ويستقر عند ظهور العقاب والثواب ‏{‏وَلَقَدْ جَاءهُمْ‏}‏ أهل مكة ‏{‏مّنَ الأنباء‏}‏ من القرآن المودع أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة وما وصف من عذاب الكفار ‏{‏مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ‏}‏ ازدجار عن الكفر‏.‏ تقول‏:‏ زجرته وازدجرته أي منعته وأصله ازتجر ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالاً لأن التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهور، فأبدل من التاء حرف مجهور وهو الدال ليتناسبا وهذا في آخر كتاب سيبويه ‏{‏حِكْمَةٌ‏}‏ بدل من «ما» أو على «هو حكمة» ‏{‏بالغة‏}‏ نهاية الصواب أو بالغة من الله إليهم ‏{‏فَمَا تُغْنِى النذر‏}‏ «ما» نفي و‏{‏النذر‏}‏ جمع نذير وهم الرسل أو المنذر به أو النذر مصدر بمعنى الإنذار‏.‏

‏{‏فَتَوَلَّ عَنْهُمْ‏}‏ لعلمك أن الإنذار لا يغني فيهم‏.‏ نصب ‏{‏يَوْمَ يَدْعُ الداع‏}‏ ب ‏{‏يُخْرِجُونَ‏}‏ أو بإضمار اذكر‏.‏ ‏{‏الداعى‏}‏، ‏{‏إلى الداعى‏}‏ سهل ويعقوب ومكي فيهما، وافق مدني وأبو عمرو في الوصل، ومن أسقط الياء اكتفى بالكسرة عنها‏.‏ وحذف الواو من ‏{‏يَدْعُو‏}‏ في الكتابة لمتابعة اللفظ، والداعي إسرافيل عليه السلام ‏{‏إلى شَئ نُّكُرٍ‏}‏ منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثلة وهو هول يوم القيامة ‏{‏نُّكُرٍ‏}‏ بالتخفيف‏:‏ مكي ‏{‏خُشَّعاً أبصارهم‏}‏ ‏{‏خاشعا‏}‏ عراقي غير عاصمٍ وهو حال من الخارجين وهو فعل للأبصار، وذكر كما تقول يخشع أبصارهم غيرهم خشعاً على يخشعن أبصارهم وهي لغة من يقول «أكلوني البراغيث»‏.‏ ويجوز أن يكون في ‏{‏خُشَّعاً‏}‏ ضميرهم وتقع ‏{‏أبصارهم‏}‏ بدلاً عنه، وخشوع الأبصار كناية عن الذلة لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما ‏{‏يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث‏}‏ من القبور ‏{‏كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ‏}‏ في كثرتهم وتفرقهم في كل جهة‏.‏

والجراد مثل في الكثرة والتموج يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض جاءوا كالجراد ‏{‏مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع‏}‏ مسرعين مادي أعناقهم إليه ‏{‏يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ‏}‏ صعب شديد‏.‏

‏{‏كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ‏}‏ قبل أهل مكة ‏{‏قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا‏}‏ نوحاً عليه السلام‏.‏ ومعنى تكرار التكذيب أنهم كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأساً كذبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل ‏{‏وَقَالُواْ مَجْنُونٌ‏}‏ أي هو مجنون ‏{‏وازدجر‏}‏ زجر عن أداء الرسالة بالشتم وهدد بالشتم وهدد بالقتل، أو هو من جملة قيلهم أي قالوا هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه ‏{‏فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى‏}‏ أي بأني ‏{‏مَغْلُوبٌ‏}‏ غلبني قومي فلم يسمعوا مني واستحكم اليأس من إجابتهم لي ‏{‏فانتصر‏}‏ فانتقم لي منهم بعذاب تبعثه عليهم ‏{‏فَفَتَحْنَا أبواب السماء‏}‏ ‏{‏فَفَتَحْنَا‏}‏ شامي ويزيد وسهل ويعقوب ‏{‏بِمَاء مُّنْهَمِرٍ‏}‏ منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوماً ‏{‏وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً‏}‏ وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر وهو أبلغ من قولك «وفجرنا عيون الأرض» ‏{‏فَالْتَقَى الماء‏}‏ أي مياه السماء والأرض وقرئ ‏{‏الماءان‏}‏ أي النوعان من الماء السماوي والأرضي ‏{‏على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ‏}‏ على حال قدرها الله كيف شاء أو على أمر قد قدر في اللوح المحفوظ أنه يكون وهو هلاك قوم نوح بالطوفان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 46‏]‏

‏{‏وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ‏(‏13‏)‏ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ‏(‏14‏)‏ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏15‏)‏ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏16‏)‏ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏17‏)‏ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏18‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ‏(‏19‏)‏ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ‏(‏20‏)‏ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏21‏)‏ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏22‏)‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ‏(‏23‏)‏ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ‏(‏24‏)‏ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ‏(‏25‏)‏ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ‏(‏26‏)‏ إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ‏(‏27‏)‏ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ‏(‏28‏)‏ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ‏(‏29‏)‏ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏30‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ‏(‏31‏)‏ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏32‏)‏ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ‏(‏33‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ‏(‏34‏)‏ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ‏(‏35‏)‏ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ‏(‏36‏)‏ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏37‏)‏ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ‏(‏38‏)‏ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏39‏)‏ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏40‏)‏ وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ‏(‏41‏)‏ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ‏(‏42‏)‏ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ‏(‏43‏)‏ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ‏(‏44‏)‏ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ‏(‏45‏)‏ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ ألواح وَدُسُرٍ‏}‏ أراد السفينة وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابها وتؤدي مؤداها بحيث لا يفصل بينها وبينها ونحوه «ولكنّ قميصي مسرودة من حديدً» أراد ولكن قميصي درع، ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة لم يصح، وهذا من فصيح الكلام وبديعه، والدسر جمع دسار وهو المسمار فعال من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه ‏{‏تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا‏}‏ بمرأى منا أو بحفظنا أو ‏{‏بِأَعْيُنِنَا‏}‏ حال من الضمير في ‏{‏تَجْرِى‏}‏ أي محفوظة بنا ‏{‏جَزَاء‏}‏ مفعول له لما قدم من فتح أبواب السماء وما بعده أي فعلنا ذلك جزاء ‏{‏لّمَن كَانَ كُفِرَ‏}‏ وهو نوح عليه السلام وجعله مكفوراً لأن النبي نعمة من الله ورحمة قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 107‏]‏ فكان نوح نعمة مكفورة ‏{‏وَلَقَدْ تركناها‏}‏ أي السفينة أو الفعلة أي جعلناها ‏{‏ءايَةً‏}‏ يعتبر بها‏.‏ وعن قتادة‏:‏ أبقاها الله بأرض الجزيرة‏.‏ وقيل‏:‏ على الجودي دهراً طويلاً حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة ‏{‏فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏ متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله مذتكر بالذال والتاء ولكن التاء أبدلت منها الدال والدال والذال من موضع فأدغمت الذال في الدال ‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ‏}‏ جمع نذير وهو الإنذار ‏{‏ونذري‏}‏ يعقوب فيهما، وافقه سهل في الوصل‏.‏ غيرهما بغير ياء وعلى هذا الاختلاف ما بعده إلى آخر السورة ‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ‏}‏ سهلناه للادّكار والاتعاظ بأن شحناه بالمواعظ الشافية وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ‏{‏فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏ متعظ يتعظ‏.‏ وقيل‏:‏ ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه فهل من طالب لحفظه ليعان عليه‏؟‏ ويُروى أن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظراً ولا يحفظونها ظاهراً كالقرآن‏.‏

‏{‏كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ‏}‏ أي وإنذاراتي لهم بالعذاب قبل نزوله أو وإنذاراتي في تعذيبهم لمن بعدهم ‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً‏}‏ باردة أو شديدة الصوت ‏{‏فِى يَوْمِ نَحْسٍ‏}‏ شؤم ‏{‏مُّسْتَمِرٌّ‏}‏ دائم الشر فقد استمر عليهم حتى أهلكهم وكان في أربعاء في آخر الشهر ‏{‏تَنزِعُ الناس‏}‏ تقلعهم عن أماكنهم وكانوا يصطفون آخذاً بعضهم بأيدي بعض ويتداخلون في الشعاب ويحفرون الحفر فيندسون فيها فتنزعهم وتكبهم وتدق رقابهم ‏{‏كَأَنَّهُمْ‏}‏ حال ‏{‏أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ‏}‏ أصول نخل منقلع عن مغارسه، وشبهوا بأعجاز النخل لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رءوس فيتساقطون على الأرض أمواتاً وهم جثث طوال كأنهم أعجاز نخل، وهي أصولها بلا فروع، وذكر صفة نخل على اللفظ ولو حملها على المعنى لأنث كما قال

‏{‏كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 7‏]‏ ‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏‏.‏ ‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر فَقَالُواْ أَبَشَراً مّنَّا واحدا‏}‏ انتصب ‏{‏بَشَرًا‏}‏ بفعل يفسره ‏{‏نَّتَّبِعُهُ‏}‏ تقديره أنتبع بشراً منا واحداً ‏{‏إِنَّا إِذاً لَّفِى ضلال وَسُعُرٍ‏}‏ كأن يقول إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق‏.‏ وسعر ونيران جمع سعير فعكسوا عليه فقالوا‏:‏ إن اتبعناك كنا إذا كما تقول‏.‏ وقيل‏:‏ الضلال الخطأ والبعد عن الصواب، والسعر الجنون، وقولهم ‏{‏أَبَشَراً‏}‏ إنكار لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية وطلبوا أن يكون من الملائكة وقالوا منا، لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة أقوى، وقالوا ‏{‏واحدا‏}‏ إنكاراً لأن تتبع الأمة رجلاً واحداً، أو أرادوا واحداً من أفنائهم ليس من أشرفهم وأفضلهم، ويدل عليه قوله ‏{‏أَءلْقِىَ الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا‏}‏ أي أأنزل عليه الوحي من بيننا وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة ‏{‏بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ‏}‏ بطر متكبر حمله بطره وطلبه التعظم علينا على ادعاء ذلك ‏{‏سَيَعْلَمُونَ غَداً‏}‏ عند نزول العذاب بهم أو يوم القيامة ‏{‏مَّنِ الكذاب الأشر‏}‏ أصالح أم من كذبه‏.‏ ‏{‏ستعلمون‏}‏‏:‏ شامي وحمزة على حكاية ما قال لهم صالح مجيباً لهم أو هو كلام الله على سبيل الالتفات ‏{‏إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة‏}‏ باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا ‏{‏فِتْنَةً لَّهُمْ‏}‏ امتحاناً لهم وابتلاء وهو مفعول له أو حال ‏{‏فارتقبهم‏}‏ فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون ‏{‏واصطبر‏}‏ على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيك أمري ‏{‏وَنَبّئْهُمْ أَنَّ الماء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ‏}‏ مقسوم بينهم لها شرب يوم ولهم شرب يوم وقال ‏{‏بَيْنَهُمْ‏}‏ تغليباً للعقلاء ‏{‏كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ‏}‏ محضور يحضر القوم الشرب يوماً وتحضر الناقة يوماً ‏{‏فَنَادَوْاْ صاحبهم‏}‏ قدار بن سالف أحيمر ثمود ‏{‏فتعاطى‏}‏ فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث له ‏{‏فَعَقَرَ‏}‏ الناقة أو فتعاطى الناقة فعقرها أو فتعاطى السيف‏.‏ وإنما قال ‏{‏فَعَقَرُواْ الناقة‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 77‏]‏ في آية أخرى لرضاهم به أو لأنه عقر بمعونتهم ‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ‏}‏ في اليوم الرابع من عقرها ‏{‏صَيْحَةً واحدة‏}‏ صاح بهم جبريل عليه السلام ‏{‏فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر‏}‏ والهشيم الشجر اليابس المتهشم المتكسر، والمحتظر الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، وقرأ الحسن بفتح الظاء وهو موضع الاحتظار أي الحظيرة ‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏‏.‏ ‏{‏كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بالنذر إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ‏}‏ يعني على قوم لوط ‏{‏حاصبا‏}‏ ريحاً تحصبهم بالحجارة أي ترميهم ‏{‏إِلا ءالَ لُوطٍ‏}‏ ابنتيه ومن آمن معه ‏{‏نجيناهم بِسَحَرٍ‏}‏ من الأسحار ولذا صرفه ويقال‏:‏ لقيته بسحر إذا لقيته في سحر يومه‏.‏

وقيل‏:‏ هما سحران‏:‏ فالسحر الأعلى قبل انصداع الفجر، والآخر عند انصداعه ‏{‏نِعْمَةً‏}‏ مفعول له أي إنعاماً ‏{‏مّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ‏}‏ نعمة الله بإيمانه وطاعته ‏{‏وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ‏}‏ لوط عليه السلام ‏{‏بَطْشَتَنَا‏}‏ أخذتنا بالعذاب ‏{‏فَتَمَارَوْاْ بالنذر‏}‏ فكذبوا بالنذر متشاكين ‏{‏وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ‏}‏ طلبوا الفاحشة من أضيافه ‏{‏فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ‏}‏ أعميناهم‏.‏ وقيل‏:‏ مسحناها وجلناها كسائر الوجه لا يرى لها شق‏.‏ رُوي أنهم لما عالجوا باب لوط عليه السلام ليدخلوا قالت الملائكة‏:‏ خلهم يدخلوا إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فصفقهم جبريل عليه السلام بجناحه صفقة فتركهم يترددون ولا يهتدون إلى الباب حتى أخرجهم لوط ‏{‏فَذُوقُواْ‏}‏ فقلت لهم ذوقوا على ألسنة الملائكة ‏{‏عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً‏}‏ أول النهار ‏{‏عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ‏}‏ ثابت قد استقر عليهم إلى أن يفضي بهم إلى عذاب الآخرة‏.‏ وفائدة تكرير ‏{‏فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏ أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكاراً واتعاظاً، وأن يستأنفوا تنبهاً واستيقاظاً إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه، وهذا حكم التكرير في قوله ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 13‏]‏ عند كل نعمة عدها، وقوله ‏{‏وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ‏}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 25‏]‏ عند كل آية أوردها، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب مصورة للأذهان مذكورة غير منسية في كل أوان‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاء ءالَ فِرْعَوْنَ النذر‏}‏ موسى وهرون وغيرهما من الأنبياء أو هو جمع نذير وهو الإنذار ‏{‏كَذَّبُواْ بئاياتنا كُلَّهَا‏}‏ بالآيات التسع ‏{‏فأخذناهم أَخْذَ عِزِيزٍ‏}‏ لا يغالب ‏{‏مُّقْتَدِرٍ‏}‏ لا يعجزه شيء ‏{‏أكفاركم‏}‏ يا أهل مكة ‏{‏خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ‏}‏ الكفار المعدودين قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون أي أهم خير قوة وآلة ومكانة في الدنيا أو أقل كفراً وعناداً يعني أن كفاركم مثل أولئك بل شر منهم ‏{‏أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى الزبر‏}‏ أم أنزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة أن من كفر منكم وكذب الرسل كان آمناً من عذاب الله فأمنتم بتلك البراءة‏؟‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ‏}‏ جماعة أمرنا مجتمع ‏{‏مُّنتَصِرٌ‏}‏ ممتنع لا نرام ولا نضام ‏{‏سَيُهْزَمُ الجمع‏}‏ جمع أهل مكة ‏{‏وَيُوَلُّونَ الدبر‏}‏ أي الأدبار كما قال‏:‏

كلوا في بعض بطنكم تعفّوا *** أي ينصرفون منهزمين يعني يوم بدر وهذه من علامات النبوة‏.‏

‏{‏بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ‏}‏ موعد عذابهم بعد بدر ‏{‏والساعة أدهى‏}‏ أشد من موقف بدر والداهية الأمر المنكر الذي لا يهتدى لدوائه ‏{‏وَأَمَرُّ‏}‏ مذاقاً من عذاب الدنيا أو أشد من المرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 55‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ‏(‏47‏)‏ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ‏(‏48‏)‏ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ‏(‏49‏)‏ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ‏(‏50‏)‏ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏51‏)‏ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ‏(‏52‏)‏ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ‏(‏53‏)‏ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ‏(‏54‏)‏ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ‏(‏55‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ المجرمين فِى ضلال‏}‏ عن الحق في الدنيا ‏{‏وَسُعُرٍ‏}‏ ونيران في الآخرة أو في هلاك ونيران ‏{‏يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النار‏}‏ يجرون فيها ‏{‏على وُجُوهِهِمْ‏}‏ ويقال لهم ‏{‏ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ‏}‏ كقولك «وجد مس الحمى وذاق طعم الضرب» لأن النار إذا أصابتهم بحرها فكأنها تمسهم مساً بذلك‏.‏ و‏{‏سَقَرَ‏}‏ غير منصرف للتأنيث والتعريف لأنها علم لجهنم من سقرته النار إذا لوحته ‏{‏إِنَّا كُلَّ شَئ خلقناه بِقَدَرٍ‏}‏ كل منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر، وقرئ بالرفع شاذاً والنصب أولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون ‏{‏خلقناه‏}‏ في موضع الجبر وصفاً ل ‏{‏شَئ‏}‏ ويكون الخبر ‏{‏بِقَدَرٍ‏}‏ وتقديره‏:‏ إنا كل شيء مخلوق لنا كائن بقدر، ويحتمل أن يكون ‏{‏خلقناه‏}‏ هو الخبر وتقديره‏:‏ إنا كل شيء مخلوق لنا بقدر، فلما تردد الأمر في الرفع عدل إلى النصب وتقديره‏.‏ إنا خلقنا كل شيء بقدر فيكون الخلق عاماً لكل شيء وهو المراد بالآية‏.‏ ولا يجوز في النصب أن يكون ‏{‏خلقناه‏}‏ صفة ل ‏{‏شَئ‏}‏ لأنه تفسير الناصب والصفة لا تعمل في الموصوف‏.‏ والقدْر والقدَر التقدير أي بتقدير سابق أو خلقنا كل شيء مقدراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدراً مكتوباً في اللوح معلوماً قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية ‏{‏وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ واحدة‏}‏ إلا كلمة واحدة أي وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له كن فيكون ‏{‏كَلَمْحٍ بالبصر‏}‏ على قدر ما يلمح أحدكم ببصره‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بأمرنا القيامة كقوله ‏{‏وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 77‏]‏‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أشياعكم‏}‏ أشباهكم في الكفر من الأمم ‏{‏فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏ متعظ ‏{‏وَكُلُّ شَئ فَعَلُوهُ‏}‏ أي أولئك الكفار أي وكل شيء مفعول لهم ثابت ‏{‏فِى الزبر‏}‏ في دواوين الحفظة ف ‏{‏فَعَلُوهُ‏}‏ في موضع جر نعت ل ‏{‏شَئ‏}‏ و‏{‏فِى الزبر‏}‏ خبر ل ‏{‏كُلٌّ‏}‏ ‏{‏وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ‏}‏ من الأعمال ومن كل ما هو كائن ‏{‏مُّسْتَطَرٌ‏}‏ مسطور في اللوح ‏{‏إِنَّ المتقين فِى جنات وَنَهَرٍ‏}‏ وأنهار اكتفى باسم الجنس وقيل‏:‏ هو السعة والضياء ومنه النهار ‏{‏فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ‏}‏ في مكان مرضي ‏{‏عِندَ مَلِيكٍ‏}‏ عندية منزلة وكرامة لا مسافة ومماسة ‏{‏مُّقْتَدِرٍ‏}‏ قادر‏.‏ وفائدة التنكير فيهما أن يعلم أن لا شيء إلا هو تحت ملكه وقدرته وهو على كل شيء قدير‏.‏

سورة الرحمن

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 13‏]‏

‏{‏الرَّحْمَنُ ‏(‏1‏)‏ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ‏(‏2‏)‏ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ‏(‏3‏)‏ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ‏(‏4‏)‏ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ‏(‏5‏)‏ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ‏(‏6‏)‏ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ‏(‏7‏)‏ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ‏(‏8‏)‏ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ‏(‏9‏)‏ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ‏(‏10‏)‏ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ‏(‏11‏)‏ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ‏(‏12‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏الرحمن عَلَّمَ القرءان خَلَقَ الإنسان‏}‏ أي الجنس أو آدم أو محمداً عليهما السلام ‏{‏عَلَّمَهُ البيان‏}‏ عدّد الله عز وجل آلاءه فأراد أن يقدم أول شيء ما هو أسبق قدماً من ضروب آلائه وصنوف نعمائه وهي نعمة الدين، فقدّم من نعمة الدين ما هو سنام في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم وحي الله رتبة وأعلاه منزلة وأحسنه في أبواب الدين أثراً، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه ليعلم أنه إنما خلقه للدين وليحيط علماً بوحيه وكتبه، وقدم ما خلق الإنسان من أجله عليه، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير‏.‏ و‏{‏الرحمن‏}‏ مبتدأ وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد كما تقول‏:‏ زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد قلة فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد فما تنكر من إحسانه‏؟‏‏.‏

‏{‏الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ‏}‏ بحساب معلوم وتقدير سويٍ يجريان في بروجهما ومنازلهما وفي ذلك منافع للناس منها علم السنين والحساب ‏{‏والنجم‏}‏ النبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول ‏{‏والشجر‏}‏ الذي له ساق‏.‏ وقيل‏:‏ النجم نجوم السماء ‏{‏يَسْجُدَانِ‏}‏ ينقادان لله تعالى فيما خلقا له تشبيهاً بالساجد من المكلفين في انقياده، واتصلت هاتان الجملتان ب ‏{‏الرحمن‏}‏ بالوصل المعنوي لما علم أن الحسبان حسبانه والسجود له لا لغيره كأنه قيل‏:‏ الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له‏.‏ ولم يذكر العاطف في الجمل الأولى ثم جيء به بعد، لأن الأولى وردت على سبيل التعديد تبكيتاً لمن أنكر آلاءه كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال المذكور، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعطف‏.‏ وبيان التناسب أن الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل‏.‏ وإن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين وإن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله فهو مناسب لسجود النجم والشجر‏.‏

‏{‏والسماء رَفَعَهَا‏}‏ خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه ‏{‏وَوَضَعَ الميزان‏}‏ أي كل ما توزن به الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس أي خلقه موضوعاً على الأرض حيث علق به أحكام عباده من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم ‏{‏أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى الميزان‏}‏ لئلا تطغوا أو هي «أن» المفسرة ‏{‏وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط‏}‏ وقوموا وزنكم بالعدل ‏{‏وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان‏}‏ ولا تنقصوه أمر بالتسوية ونهى عن الطيغان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان، وكرر لفظ الميزان تشديداً للتوصية به وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه ‏{‏والأرض وَضَعَهَا‏}‏ حفضها مدحوّة على الماء ‏{‏لِلأَنَامِ‏}‏ للخلق وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة‏.‏

وعن الحسن‏:‏ الإنس والجن فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها ‏{‏فِيهَا فاكهة‏}‏ ضروب مما يتفكه به ‏{‏والنخل ذَاتُ الأكمام‏}‏ هي أوعية الثمر الواحد «كم» بكسر الكاف أو كل ما يكم أي يغطى من ليفه وسعفه وكفراه، وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه ‏{‏والحب ذُو العصف‏}‏ هو ورق الزرع أو التبن ‏{‏والريحان‏}‏ الرزق وهو اللب أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه، والجامع بين التلذذ والتغذي هو ثمر النخل وما يتغذى به وهو الحب‏.‏ ‏{‏والريحان‏}‏ بالجر‏:‏ حمزة وعلي أي والحب ذو العصف الذي هو علف الأنعام والريحان الذي هو مطعم الأنام، والرفع على و«ذو الريحان» فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه‏.‏ وقيل‏:‏ معناه وفيها الريحان الذي يشم ‏{‏والحب ذَا العصف والريحان‏}‏ شامي أي وخلق الحب والريحان أو وأخص الحب والريحان ‏{‏فَبِأَىّ الاء‏}‏ أي النعم مما عدد من أول السورة جمع ألى وإلى ‏{‏رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ الخطاب للثقلين بدلالة الأنام عليهما‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 42‏]‏

‏{‏خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ‏(‏14‏)‏ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ‏(‏15‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏16‏)‏ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ‏(‏17‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏18‏)‏ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ‏(‏19‏)‏ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ‏(‏20‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏21‏)‏ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ‏(‏22‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏23‏)‏ وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ‏(‏24‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏25‏)‏ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ‏(‏26‏)‏ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ‏(‏27‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏28‏)‏ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ‏(‏29‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏30‏)‏ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ‏(‏31‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏32‏)‏ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ‏(‏33‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏34‏)‏ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ‏(‏35‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏36‏)‏ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ‏(‏37‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏38‏)‏ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ‏(‏39‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏40‏)‏ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ‏(‏41‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏خَلَقَ الإنسان مِن صلصال‏}‏ طين يابس له صلصلة ‏{‏كالفخار‏}‏ أي الطين المطبوخ بالنار وهو الخذف‏.‏ ولا اختلاف في هذا وفي قوله ‏{‏مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 26‏]‏ ‏{‏مّن طِينٍ لاَّزِبٍ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 11‏]‏ ‏{‏مّن تُرَابٍ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 67‏]‏ لاتفاقها معنى لأنه يفيد أنه خلقه من تراب ثم جعله طيناً ثم حمأ مسنوناً ثم صلصالاً ‏{‏وَخَلَقَ الجان‏}‏ أبا الجن قيل‏:‏ هو إبليس ‏{‏مِن مَّارِجٍ‏}‏ هو اللهب الصافي الذي لا دخان فيه‏.‏ وقيل‏:‏ المختلط بسواد النار من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط ‏{‏مّن نَّارٍ‏}‏ هو بيان لما رج كأنه قيل‏:‏ من صاف من نار أو مختلط من نار، أو أراد من نار مخصوصة كقوله ‏{‏فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 14‏]‏ ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين‏}‏ أراد مشرقي الشمس في الصيف والشتاء ومغربيهما‏.‏

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ‏}‏ أي أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين لا فصل بين الماءين في مرأى العين ‏{‏بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ‏}‏ حاجز من قدرة الله تعالى ‏{‏لاَّ يَبْغِيَانِ‏}‏ لا يتجاوزان حديهما ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة ‏{‏فَبِأَىّ الاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يَخْرُجُ‏}‏ ‏{‏يَخْرُجُ‏}‏ مدني وبصري ‏{‏مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ‏}‏ بلا همز‏:‏ أبو بكر ويزيد وهو كبار الدر ‏{‏وَالمَرْجَانُ‏}‏ صغاره‏.‏ وإنما قال ‏{‏مِنْهُمَا‏}‏ وهما يخرجان من الملح لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرجان منهما كما يقال يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه وتقول‏:‏ خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله‏.‏ وقيل‏:‏ لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب ‏{‏فَبِأَىّ الاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏‏.‏

‏{‏وَلَهُ‏}‏ ولله ‏{‏الجوار‏}‏ السفن جمع جارية‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الوقف عليها بالياء والاختيار وصلها، وإن وقف عليها واقف بغير ياء فذا جائز على بعد ولكن يروم الكسر في الراء ليدل على حذف الياء ‏{‏المنشآت‏}‏ المرفوعات الشرع ‏{‏المنشآت‏}‏ بكسر الشين، حمزة ويحيى الرافعات الشرع أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن ‏{‏فِى البحر كالأعلام‏}‏ جمع علم وهو الجبل الطويل ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا‏}‏ على الأرض ‏{‏فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبّكَ‏}‏ ذاته ‏{‏ذُو الجلال‏}‏ ذو العظمة والسلطان وهو صفة الوجه ‏{‏والإكرام‏}‏ بالتجاوز والإحسان، وهذه الصفة من عظيم صفات الله وفي الحديث «ألظوا بياذا الجلال والإكرام» وروي أنه عليه السلام مر برجل وهو يصلي ويقول يا ذا الجلال والإكرام فقال‏:‏ قد استجيب لك‏.‏ ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ والنعمة في الفناء باعتبار أن المؤمنين به يصلون إلى النعيم السرمد‏.‏ وقال يحيى بن معاذ‏:‏ حبذا الموت فهو الذي يقرب الحبيب إلى الحبيب‏.‏

‏{‏يَسْأَلُهُ مَن فِى السماوات والأرض‏}‏ وقف عليها نافع كل من أهل السماوات والأرض مفتقرون إليه فيسأله أهل السماوات ما يتعلق بدينهم وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم، وينتصب ‏{‏كُلَّ يَوْمٍ‏}‏ ظرفاً بما دل عليه ‏{‏هُوَ فِى شَأْنٍ‏}‏ أي كل وقت وحين يحدث أموراً ويجدد أحوالاً كما روي أنه عليه السلام تلاها فقيل له‏:‏ وما ذلك الشأن‏؟‏ فقال‏:‏ من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين‏.‏ وعن ابن عيينة‏:‏ الدهر عند الله يومان‏:‏ أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، والآخر يوم القيامة فشأنه فيه الجزاء والحساب‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في اليهود حين قالوا‏:‏ إن الله لا يقضي يوم السبت شأناً‏.‏ وسأل بعض الملوك وزيره عن الآية فاستمهله إلى الغد وذهب كئيباً يفكر فيها فقال غلام له أسود‏:‏ يا مولاي أخبرني ما أصابك لعل الله يسهل لك على يدي فأخبره فقال‏:‏ أنا أفسرها للملك فأعلمه فقال‏:‏ أيها الملك شأن الله أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيماً ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مبتلي، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، ويفقر غنياً ويغني فقيراً‏.‏ فقال الأمير‏:‏ أحسنت وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة فقال‏:‏ يا مولاي هذا من شأن الله‏.‏ وقيل‏:‏ سوق المقادير إلى المواقيت‏.‏

وقيل‏:‏ إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل وقال له‏:‏ أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي‏:‏ قوله ‏{‏فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين‏}‏ وقد صح أن الندم توبة، وقوله ‏{‏كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ‏}‏ وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله ‏{‏وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى‏}‏ فما بال الأضعاف‏؟‏ فقال الحسين‏:‏ يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة، وقيل‏:‏ إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله‏.‏ وكذا قيل‏:‏ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى مخصوص بقوم إبراهيم وموسى عليهما السلام‏.‏ وأما قوله ‏{‏كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ‏}‏ فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها‏.‏ فقام عبد الله وقبل رأسه وسوع خراجه ‏{‏فَبِأَىّ الاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ سَنَفْرُغُ لَكُمْ‏}‏ مستعار من قول الرجل لمن يتهدده «سأفرغ لك» يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه، والمراد التوفر على النكاية فيه والانتقام منه‏.‏ ويجوز أن يراد ستنتهي الدنيا وتبلغ آخرها وتنتهي عند ذلك شئون الخلق التي أرادها بقوله ‏{‏كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ‏}‏ فلا يبقى إلي شأن واحد وهو جزاؤكم فجعل ذلك فراغاً لهم على طريق المثل‏.‏ ‏{‏سيفرغ‏}‏ حمزة وعلي أي الله تعالى ‏{‏أَيُّه الثقلان‏}‏ الإنس والجن سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض‏.‏

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏‏.‏

‏{‏يامعشر الجن والإنس‏}‏ هو كالترجمة لقوله ‏{‏أَيُّهَا الثقلان‏}‏ ‏{‏إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أقطار السماوات والأرض فانفذوا‏}‏ أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض هرباً من قضائي فاخرجوا، ثم قال ‏{‏لاَ تَنفُذُونَ‏}‏ لا تقدرون على النفوذ ‏{‏إِلاَّ بسلطان‏}‏ بقوة وقهر وغلبة وأنى لكم ذلك‏؟‏ وقيل‏:‏ دلهم على العجز عن قوتهم للحساب غداً بالعجز عن نفوذ الأقطار اليوم‏.‏ وقيل‏:‏ يقال لهم هذا يوم القيامة حين تحدق بهم الملائكة فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة احتاطت به ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نَّارٍ‏}‏ وبكسر الشين‏:‏ مكي وكلاهما اللهب الخالص ‏{‏وَنُحَاسٌ‏}‏ أي دخان ‏{‏وَنُحَاسٌ‏}‏ مكي وأبو عمرو فالرفع عطف على شواظ، والجر على نار، والمعنى إذا خرجتم من قبوركم يرسل عليكما لهب خالص من النار ودخان يسوقكم إلى المحشر ‏{‏فَلاَ تَنتَصِرَانِ‏}‏ فلا تمتنعان منهما ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فَإِذَا انشقت السماء‏}‏ انفك بعضها من بعض لقيام الساعة ‏{‏فَكَانَتْ وَرْدَةً‏}‏ فصارت كلون الورد الأحمر‏.‏ وقيل‏:‏ أصل لون السماء الحمرة ولكن من بعدها ترى زرقاء ‏{‏كالدهان‏}‏ كدهن الزيت كما قال ‏{‏كالمهل‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 8‏]‏ وهو دردي الزيت وهو جمع دهن وقيل‏:‏ الدهان الأديم الأحمر ‏{‏فبأيّ ءالآ

ءربّكما تكذّبان فيومئذٍ‏}‏ أي فيوم تنشق السماء ‏{‏لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ‏}‏ أي ولا جن فوضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال‏:‏ هاشم ويراد ولده والتقدير‏:‏ لا يسئل إنس ولا جان عن ذنبه‏.‏ والتوفيق بين هذه الآية وبين قوله ‏{‏فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 92‏]‏ وقوله ‏{‏وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 24‏]‏ أن ذلك يوم طويل وفيه مواطن فيسألون في موطن ولا يسألون في آخر‏.‏ وقال قتادة‏:‏ قد كانت مسئلة ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون‏.‏ وقيل‏:‏ لا يسئل عن ذنبه ليعلم من جهته ولكن يسئل للتوبيخ‏.‏

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم‏}‏ بسواد وجوههم وزرقة عيونهم ‏{‏فَيُؤْخَذُ بالنواصى والاقدام‏}‏ أي يؤخذ تارة بالنواصي وتارة بالأقدام‏.‏ ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 78‏]‏

‏{‏هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ‏(‏43‏)‏ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ ‏(‏44‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏45‏)‏ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ‏(‏46‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏47‏)‏ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ‏(‏48‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏49‏)‏ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ‏(‏50‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏51‏)‏ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ‏(‏52‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏53‏)‏ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ‏(‏54‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏55‏)‏ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ‏(‏56‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏57‏)‏ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ‏(‏58‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏59‏)‏ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ‏(‏60‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏61‏)‏ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ‏(‏62‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏63‏)‏ مُدْهَامَّتَانِ ‏(‏64‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏65‏)‏ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ‏(‏66‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏67‏)‏ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ‏(‏68‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏69‏)‏ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ‏(‏70‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏71‏)‏ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ‏(‏72‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏73‏)‏ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ‏(‏74‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏75‏)‏ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ‏(‏76‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏77‏)‏ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ‏(‏78‏)‏‏}‏

‏{‏هذه جَهَنَّمُ التى يُكَذّبُ بِهَا المجرمون يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ‏}‏ ماء حار قد انتهى حره أي يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ والنعمة في هذا نجاة الناجي منه بفضله ورحمته وما في الإنذار به من التنبيه ‏{‏وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ‏}‏ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة فترك المعاصي أو فأدى الفرائض‏.‏ وقيل‏:‏ هو مقحم كقوله‏:‏ ونفيت عنه مقام الذئب أي نفيت عنه الذئب ‏{‏جَنَّتَانِ‏}‏ جنة الإنس وجنة الجن لأن الخطاب للثقلين وكأنه قيل‏:‏ لكل خائفين منكما جنتان‏:‏ جنة للخائف الإنسي وجنة للخائف الجني ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ‏}‏ أغصان جمع فنن وخص الأفنان لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجتنى الثمار، أو ألوان جمع فن أي له فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين قال‏:‏

ومن كل أفنان اللذاذة والصبا *** لهوت به والعيش أخضر ناضر

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا‏}‏ في الجنتين ‏{‏عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ‏}‏ حيث شاءوا في الأعالي والأسافل‏.‏ وعن الحسن‏:‏ تجريان بالماء الزلال إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ‏}‏ صنفان‏:‏ صنف معروف وصنف غريب ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مُتَّكِئِينَ‏}‏ نصب على المدح للخائفين أو حال منهم لأن من خاف في معنى الجمع ‏{‏عَلَى فُرُشٍ‏}‏ جمع فراش ‏{‏بَطَائِنُهَا‏}‏ جمع بطانة ‏{‏مِنْ إِسْتَبْرَقٍ‏}‏ ديباج ثخين وهو معرب‏.‏ قيل‏:‏ ظهائرها من سندس‏.‏ وقيل‏:‏ لا يعلمها إلا الله ‏{‏وَجَنَى الجنتين دَانٍ‏}‏ وثمرها قريب يناله القائم والقاعد والمتكيء‏.‏ ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِنَّ‏}‏‏.‏

في الجنتين لاشتمالهما على أماكن وقصور ومجالس أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجني ‏{‏قاصرات الطرف‏}‏ نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ‏{‏لَمْ يَطْمِثْهُنَّ‏}‏ بكسر الميم‏:‏ الدوري وعلي بضم الميم والطمث الجماع بالتدمية ‏{‏إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ‏}‏ وهذا دليل على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس ‏{‏فَبِأَىّ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الياقوت‏}‏ صفاء ‏{‏وَالمَرْجَانُ‏}‏ بياضاً فهو أبيض من اللؤلؤ ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ هَلْ جَزَاء الإحسان‏}‏ في العمل ‏{‏إِلاَّ الإحسان‏}‏ في الثواب وقيل‏:‏ ما جزاء من قال لا إله إلا الله إلا الجنة‏.‏ وعن إبراهيم الخواص فيه‏:‏ هل جزاء الإسلام إلا دار السلام‏.‏

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ وَمِن دُونِهِمَا‏}‏ ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين ‏{‏جَنَّتَانِ‏}‏ لمن دونهم من أصحاب اليمين ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مُدْهَآمَّتَانِ‏}‏ سوداوان من شدة الخضرة قال الخليل الدهمة السواد ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ‏}‏ فوارتان بالماء لا تنقطعان ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا فاكهة‏}‏ ألوان الفواكه ‏{‏وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ‏}‏ والرمان والتمر ليسا من الفواكه عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه للعطف، ولأن التمر فاكهة وغذاء والرمان فاكهة ودواء فلم يخلصا للتفكه، وهما قالا‏:‏ إنما عطفا على الفاكهة لفضلهما كأنهما جنسان آخران لما لهما من المزية كقوله

‏{‏وَجِبْرِيلَ وميكال‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 98‏]‏‏.‏

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِنَّ خيرات حِسَانٌ‏}‏ أي خيرات فخففت وقرئ خيّرات على الأصل، والمعنى فاضلات الأخلاق حسان الخلق ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ حُورٌ مقصورات فِى الخيام‏}‏ أي مخدرات يقال‏:‏ امرأة قصيرة ومقصورة أي مخدرة‏.‏ قيل‏:‏ الخيام من الدر المجوف ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ‏}‏ قبل أصحاب الجنتين ودل عليهم ذكر الجنتين ‏{‏وَلاَ جَانٌّ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مُتَّكِئِينَ‏}‏ نصب على الاختصاص ‏{‏على رَفْرَفٍ‏}‏ هو كل ثوب عريض وقيل الوسائد ‏{‏خُضْرٍ وَعَبْقَرِىّ حِسَانٍ‏}‏ ديباج أو طنافس ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل ‏{‏وَمِن دُونِهِمَا‏}‏ لأن ‏{‏مُدْهَامَّتَانِ‏}‏ دون ‏{‏ذَوَاتَا أَفْنَانٍ‏}‏ و‏{‏نَضَّاخَتَانِ‏}‏ دون ‏{‏تَجْرِيَانِ‏}‏ و‏{‏فاكهة‏}‏ دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ ‏{‏تبارك اسم رَبّكَ ذِى الجلال‏}‏ ذي العظمة‏.‏ ‏{‏ذُو الجلال‏}‏ شامي صفة للاسم ‏{‏والإكرام‏}‏ لأوليائه بالإنعام‏.‏

روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن فقال‏:‏ «مالي أراكم سكوتاً، الجن كانوا أحسن منكم رداً ما أتيت على قول الله ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ إلا قالوا‏:‏ ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ولك الشكر» وكررت هذه الآية في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة، ذكر ثمانية منها عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وأغلقت عنه أبواب جهنم نعوذ بالله منها‏.‏ والله أعلم‏.‏

سورة الواقعة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 34‏]‏

‏{‏إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ‏(‏1‏)‏ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ‏(‏2‏)‏ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ‏(‏3‏)‏ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ‏(‏4‏)‏ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ‏(‏5‏)‏ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ‏(‏6‏)‏ وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ‏(‏7‏)‏ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ‏(‏8‏)‏ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ‏(‏9‏)‏ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ‏(‏10‏)‏ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏11‏)‏ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏12‏)‏ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ‏(‏13‏)‏ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ ‏(‏14‏)‏ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ‏(‏15‏)‏ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ‏(‏16‏)‏ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ‏(‏17‏)‏ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ‏(‏18‏)‏ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ‏(‏19‏)‏ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ‏(‏20‏)‏ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ‏(‏21‏)‏ وَحُورٌ عِينٌ ‏(‏22‏)‏ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ‏(‏23‏)‏ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏24‏)‏ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ‏(‏25‏)‏ إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ‏(‏26‏)‏ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ‏(‏27‏)‏ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ‏(‏28‏)‏ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ‏(‏29‏)‏ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ‏(‏30‏)‏ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ‏(‏31‏)‏ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ‏(‏32‏)‏ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ‏(‏33‏)‏ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏إِذَا وَقَعَتِ الواقعة‏}‏ قامت القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة فكأنه قيل‏:‏ إذا وقعت الواقعة التي لا بد من وقوعها‏.‏ ووقوع الأمر نزوله يقال‏:‏ وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله‏.‏ وانتصاب ‏{‏إِذَا‏}‏ بإضمار «اذكر» ‏{‏لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ‏}‏ نفس كاذبة أي لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله وتكذب في تكذيب الغيب لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات‏.‏ واللام مثلها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 24‏]‏ ‏{‏خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ‏}‏ أي هي خافضة رافعة ترفع أقواماً وتضع آخرين ‏{‏إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً‏}‏ حركت تحريكاً شديداً حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء، وهو بدل من ‏{‏إِذَا وَقَعَتِ‏}‏، ويجوز أن ينتصب ب ‏{‏خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ‏}‏ أي تخفض وترفع وقت رجّ الأرض وبسّ الجبال ‏{‏وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً‏}‏ وفتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها كقوله‏:‏ ‏{‏وَسُيّرَتِ الجبال‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 20‏]‏ ‏{‏فَكَانَتْ هَبَاء‏}‏ غباراً ‏{‏مُّنبَثّاً‏}‏ متفرقاً ‏{‏وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً‏}‏ أصنافاً يقال للأصناف التي بعضها من بعض أو يذكر بعضها من بعض أزواج ‏{‏ثلاثة‏}‏ صنفان في الجنة وصنف في النار‏.‏

ثم فسر الأزواج فقال ‏{‏فأصحاب الميمنة‏}‏ مبتدأ وهم الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم ‏{‏مَا أصحاب الميمنة‏}‏ مبتدأ وخبر وهما خبر المبتدأ الأول، وهو تعجيب من حالهم في السعادة وتعظيم لشأنهم كأنه قال‏:‏ ما هم وأي شيء هم‏؟‏ ‏{‏وأصحاب المشئمة‏}‏ أي الذين يؤتون صحائفهم بشمائلهم أو أصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة من قولك‏:‏ فلان مني باليمين وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل‏.‏ وقيل‏:‏ يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال ‏{‏مَا أصحاب المشئمة‏}‏ أي أيُّ شيء هم‏؟‏ وهو تعجيب من حالهم بالشقاء ‏{‏والسابقون‏}‏ مبتدأ ‏{‏السابقون‏}‏ خبره تقديره السابقون إلى الخيرات السابقون إلى الجنات‏.‏ وقيل‏:‏ الثاني تأكيد للأول والخبر ‏{‏أُوْلَئِكَ المقربون‏}‏ والأول أوجه ‏{‏فِي جنات النعيم‏}‏ أي هم في جنات النعيم ‏{‏ثُلَّةٌ مّنَ الأولين * وَقَلِيلٌ مّنَ الآخرين‏}‏ أي هم ثلة، والثلة الأمة من الناس الكثيرة، والمعنى أن المسابقين كثير من الأولين وهم الأمم من لدن آدم إلى نبينا محمد عليهما السلام، وقليل من الآخرين وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ من الأولين من متقدمي هذه الأمة، ومن الآخرين من متأخريها‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الثلتان جميعاً من أمتي ‏"‏‏.‏ ‏{‏على سُرُرٍ‏}‏ جمع سرير ككثيب وكثب ‏{‏مَّوْضُونَةٍ‏}‏ مرمولة ومنسوجة بالذهب مشبكة بالدر والياقوت ‏{‏مُتَّكِئِينَ‏}‏ حال من الضمير في ‏{‏على‏}‏ وهو العامل فيها أي استقروا عليها متكئين ‏{‏عَلَيْهَا متقابلين‏}‏ ينظر بعضهم في وجوه بعض ولا ينظر بعضهم في أقفاء بعض، وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة و‏{‏متقابلين‏}‏ حال أيضاً ‏{‏يَطُوفُ عَلَيْهِمْ‏}‏ يخدمهم ‏{‏ولدان‏}‏ غلمان جمع وليد ‏{‏مُّخَلَّدُونَ‏}‏ مبقّون أبداً على شكل الولدان لا يتحولون عنه‏.‏

وقيل‏:‏ مقرّطون والخلدة القرط‏.‏ قيل‏:‏ هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، وفي الحديث‏:‏ «أولاد الكفار خدام أهل الجنة» ‏{‏بِأَكْوَابٍ‏}‏ جمع كوب وهي آنية لا عروة لها ولا خرطوم ‏{‏وَأَبَارِيقَ‏}‏ جمع إبريق وهو ماله خرطوم وعروة ‏{‏وَكَأْسٍ‏}‏ وقدح فيه شراب وإن لم يكن فيه شراب فليس بكأس ‏{‏مّن مَّعِينٍ‏}‏ من خمر تجري من العيون ‏{‏لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا‏}‏ أي بسببها وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها أو لا يفرقون عنها ‏{‏وَلاَ يُنزِفُونَ‏}‏ ولا يسكرون‏.‏ نزف الرجل ذهب عقله بالسكر‏.‏ ‏{‏وَلاَ يُنزِفُونَ‏}‏ بكسر الزاي‏:‏ كوفي أي لا ينفد شرابهم‏.‏ يقال‏:‏ أنزف القوم إذا فني شرابهم ‏{‏وفاكهة مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ‏}‏ يأخذون خيره وأفضله‏.‏

‏{‏وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ‏}‏ يتمنون ‏{‏وَحُورٌ‏}‏ جمع حوراء ‏{‏عِينٌ‏}‏ جمع عيناء أي وفيها حور عين أو ولهم حور عين، ويجوز أن يكون عطفاً على ‏{‏ولدان‏}‏ ‏{‏وَحُورٌ‏}‏‏:‏ يزيد وحمزة وعلي عطفاً على ‏{‏جنات النعيم‏}‏ كأنه قال‏:‏ هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم وحورٍ ‏{‏كأمثال اللؤلؤ‏}‏ في الصفاء والنقاء ‏{‏المكنون‏}‏ المصون‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ كأمثال الدر حين يخرج من صدفه لم يغيره الزمان واختلاف أحوال الاستعمال ‏{‏جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ جزاء مفعول له أي يفعل بهم ذلك كله لجزاء أعمالهم أو مصدر أي يجزون جزاء‏.‏

‏{‏لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا‏}‏ في الجنة ‏{‏لَغْواً‏}‏ باطلاً ‏{‏وَلاَ تَأْثِيماً‏}‏ هذياناً ‏{‏إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما‏}‏ إلا قولاً ذا سلامة‏.‏ والاستثناء منقطع و‏{‏سَلاَماً‏}‏ بدل من ‏{‏قِيلاً‏}‏ أو مفعول به ل ‏{‏قِيلاً‏}‏ أي لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاماً سلاماً‏.‏ والمعنى أنهم يفشون السلام بينهم فيسلمون سلاماً بعد سلام ‏{‏وأصحاب اليمين مَا أصحاب اليمين * فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ‏}‏ السدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنما خضد شوكه ‏{‏وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ‏}‏ الطلح شجر الموز والمنضود الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه فليست له ساق بارزة ‏{‏وَظِلّ مَّمْدُودٍ‏}‏ ممتد منبسط كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ‏{‏وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ‏}‏ جار بلا حد ولا خد أي يجري على الأرض في غير أخدود ‏{‏وفاكهة كَثِيرَةٍ‏}‏ أي كثيرة الأجناس ‏{‏لاَّ مَقْطُوعَةٍ‏}‏ لا تنقطع في بعض الأوقات كفواكه الدنيا بل هي دائمة ‏{‏وَلاَ مَمْنُوعَةٍ‏}‏ لا تمنع عن متناولها بوجه‏.‏ وقيل‏:‏ لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان ‏{‏وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ‏}‏ رفيعة القدر أو نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة‏.‏ وقيل‏:‏ هي النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش مرفوعة على الأرائك قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏هُمْ وأزواجهم فِى ظلال عَلَى الأرائك مُتَّكِئُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 56‏]‏‏.‏ ويدل عليه قوله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 67‏]‏

‏{‏إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ‏(‏35‏)‏ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ‏(‏36‏)‏ عُرُبًا أَتْرَابًا ‏(‏37‏)‏ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ‏(‏38‏)‏ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ‏(‏39‏)‏ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ ‏(‏40‏)‏ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ‏(‏41‏)‏ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ‏(‏42‏)‏ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ‏(‏43‏)‏ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ‏(‏44‏)‏ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ‏(‏45‏)‏ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ‏(‏46‏)‏ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ‏(‏47‏)‏ أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ‏(‏48‏)‏ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ ‏(‏49‏)‏ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ‏(‏50‏)‏ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ‏(‏51‏)‏ لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ‏(‏52‏)‏ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ‏(‏53‏)‏ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ‏(‏54‏)‏ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ‏(‏55‏)‏ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ‏(‏56‏)‏ نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ ‏(‏57‏)‏ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ‏(‏58‏)‏ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ‏(‏59‏)‏ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ‏(‏60‏)‏ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏61‏)‏ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏62‏)‏ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ‏(‏63‏)‏ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ‏(‏64‏)‏ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ‏(‏65‏)‏ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ‏(‏66‏)‏ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ‏(‏67‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا أنشأناهن إِنشَاء‏}‏ ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة، فإما أن يراد اللاتي ابتدئ انشاؤهن أو اللاتي أعيد انشاؤهن، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش وهي المضاجع دل عليهن ‏{‏فجعلناهن أبكارا‏}‏ عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً ‏{‏عُرُباً‏}‏ ‏{‏عرْباً‏}‏ حمزة وخلف ويحيى وحماد جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ‏{‏أَتْرَاباً‏}‏ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين وأزواجهن كذلك، واللام في ‏{‏لأصحاب اليمين‏}‏ من صلة ‏{‏أَنشَأْنَا‏}‏ ‏{‏ثُلَّةٌ‏}‏ أي أصحاب اليمين ثلة ‏{‏مّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مّنَ الآخرين‏}‏ فإن قلت‏:‏ كيف قال قبل هذا ‏{‏وَقِيلَ مَنْ الآخرين‏}‏ ثم قال هنا ‏{‏وَثُلَّةٌ مّنَ الآخرين‏}‏‏؟‏ قلت‏:‏ ذاك في السابقين وهذا في أصحاب اليمين، وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعاً‏.‏ وعن الحسن‏:‏ سابقوا الأمم أكثر من سابقي أمتنا، وتابعوا الأُمم مثل تابعي هذه الأمة‏.‏

‏{‏وأصحاب الشمال مَا أصحاب الشمال‏}‏ الشمال والمشأمة واحدة ‏{‏فِى سَمُومٍ‏}‏ في حر نار ينفذ في المسام ‏{‏وَحَمِيمٍ‏}‏ وماء حار متناهي الحرارة ‏{‏وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ‏}‏ من دخان أسود ‏{‏لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ‏}‏ نفي لصفتي الظل عنه يريد أنه ظل ولكن لا كسائر الظلال سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه من يأوي إليه من أذى الحر وذلك كرمه ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى أنه ظل حار ضار ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ‏}‏ أي في الدنيا ‏{‏مُتْرَفِينَ‏}‏ منعمين فمنعهم ذلك من الانزجار وشغلهم عن الاعتبار ‏{‏وَكَانُواْ يُصِرُّونَ‏}‏ يداومون ‏{‏عَلَى الحنث العظيم‏}‏ أي على الذنب العظيم أو على الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، والحنث نقض العهد المؤكد باليمين أو الكفر بالبعث بدليل قوله ‏{‏وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 38‏]‏ ‏{‏وَكَانُواْ يِقُولُونَ * أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ‏}‏ تقديره‏:‏ أنبعث إذا متنا‏؟‏ وهو العامل في الظرف، وجاز حذفه إذ ‏{‏مَّبْعُوثُونَ‏}‏ يدل عليه، ولا يعمل فيه ‏{‏مَّبْعُوثُونَ‏}‏ لأن «إن» والاستفهام يمنعان أن يعمل ما بعدهما فيما قبلهما ‏{‏أَوَ ءابَاؤُنَا الأولون‏}‏ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف وحسن العطف على المضمر في ‏{‏لَمَبْعُوثُونَ‏}‏ من غير توكيد ب «نحن» للفاصل الذي هو الهمزة كما حسن في قوله ‏{‏مَا أَشْرَكْنَا وَلآ ءَابَآؤُنَا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 148‏]‏ لفصل لا المؤكدة للنفي‏.‏ ‏{‏أَوَ ءابَاؤُنَا‏}‏ مدني وشامي‏.‏

‏{‏قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين لَمَجْمُوعُونَ إلى ميقات يَوْمٍ مَّعْلُومٍ‏}‏ إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم، والإضافة بمعنى «من» كخاتم فضة، والميقات ما وقت به الشيء أي حد ومنه مواقيت الإحرام وهي الحدود التي لا يجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرماً ‏{‏ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالون‏}‏ عن الهدى ‏{‏المكذبون‏}‏ بالبعث وهم أهل مكة ومن في مثل حالهم ‏{‏لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ‏}‏ «من» لابتداء الغاية ‏{‏مّن زَقُّومٍ‏}‏ «من» لبيان الشجر ‏{‏فَمَالِئَونَ مِنْهَا البطون فشاربون عَلَيْهِ مِنَ الحميم‏}‏ أنث ضمير الشجر على المعنى وذكره على اللفظ في منها وعليه‏.‏

‏{‏فشاربون شُرْبَ‏}‏ بضم الشين‏:‏ مدني وعاصم وحمزة وسهل، وبفتح الشين‏:‏ غيرهم وهما مصدران ‏{‏الهيم‏}‏ هي إبل عطاش لا تروى جمع أهيم وهيماء، والمعنى أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل، فإذا ملئوا منه البطون سلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم فيشربونه شرب الهيم‏.‏ وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين وهما لذوات متفقة وصفتان متفقتان لأن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء أمر عجيب وشربهم له على ذلك كما يشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضاً فكانتا صفتين مختلفتين ‏{‏هذا نُزُلُهُمْ‏}‏ هو الرزق الذي يعد للناس تكرمة له ‏{‏يَوْمِ الدين‏}‏ يوم الجزاء ‏{‏نَحْنُ خلقناكم فَلَوْلاَ‏}‏ فهلا ‏{‏تُصَدّقُونَ‏}‏ تحضيض على التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالبعث لأن من خلق أولاً لم يمتنع عليه أن يخلق ثانياً‏.‏

‏{‏أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ‏}‏ ما تمنونه أي تقذفونه في الأرحام من النطف ‏{‏ءأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ‏}‏ تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشراً سوياً ‏{‏أَم نَحْنُ الخالقون نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت‏}‏ تقديراً قسمناه عليكم قسمة الأرزاق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط ‏{‏قَدَّرْنَآ‏}‏ بالتخفيف‏:‏ مكي سبقته بالشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه، فمعنى قوله ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * على أَن نُّبَدّلَ أمثالكم‏}‏ إنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه‏.‏ و‏{‏أمثالكم‏}‏ جمع مثل أي على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق ‏{‏وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ وعلى أن ننشئكم في خلق لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها يعني أنا نقدر على الأمرين جميعاً‏:‏ على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم، فكيف نعجز عن إعادتكم‏؟‏ ويجوز أن يكون ‏{‏أمثالكم‏}‏ جمع مثل أي على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم وننشئكم في صفات لا تعلمونها ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى‏}‏ ‏{‏النشاءة‏}‏ مكي وأبو عمرو ‏{‏فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ‏}‏ أن من قدر على شيء مرة لم يمتنع عليه ثانياً، وفيه دليل صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى‏.‏

‏{‏أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ‏}‏ ما تحرثونه من الطعام أي تثيرون الأرض وتلقون فيها البذر ‏{‏ءأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ‏}‏ تنبتونه وتردونه نباتاً ‏{‏أَمْ نَحْنُ الزرعون‏}‏ المنبتون وفي الحديث‏:‏ «لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت» ‏{‏لَّوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حطاما‏}‏ هشيماً متكسراً قبل إدراكه ‏{‏فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ‏}‏ تعجبون أو تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم بذلك من أجلها ‏{‏إِنَّاْ‏}‏ أي تقولون إنا ‏{‏أئنا‏}‏ أبو بكر ‏{‏لَمُغْرَمُونَ‏}‏ لملزمون غرامة ما أنفقنا أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام وهو الهلاك ‏{‏بَلْ نَحْنُ‏}‏ قوم ‏{‏مَحْرُومُونَ‏}‏ محارفون محدودون لا مجدودون لا حظ لنا ولا بخت لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا هذا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏68- 96‏]‏

‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ‏(‏68‏)‏ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ‏(‏69‏)‏ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ‏(‏70‏)‏ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ‏(‏71‏)‏ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ‏(‏72‏)‏ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ‏(‏73‏)‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ‏(‏74‏)‏ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ‏(‏75‏)‏ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ‏(‏76‏)‏ إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ ‏(‏77‏)‏ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ‏(‏78‏)‏ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ‏(‏79‏)‏ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏80‏)‏ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ‏(‏81‏)‏ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ‏(‏82‏)‏ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ‏(‏83‏)‏ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ‏(‏84‏)‏ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ‏(‏85‏)‏ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ‏(‏86‏)‏ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏87‏)‏ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ‏(‏88‏)‏ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ‏(‏89‏)‏ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ‏(‏90‏)‏ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ‏(‏91‏)‏ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ‏(‏92‏)‏ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ‏(‏93‏)‏ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ‏(‏94‏)‏ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ‏(‏95‏)‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ‏(‏96‏)‏‏}‏

‏{‏أَفَرَءيْتُمُ الماء الذى تَشْرَبُونَ‏}‏ أي الماء العذب الصالح للشرب ‏{‏ءأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن‏}‏ السحاب الأبيض وهو أعذب ماء ‏{‏أَمْ نَحْنُ المنزلون‏}‏ بقدرتنا ‏{‏لَوْ نَشَاء جعلناه أُجَاجاً‏}‏ ملحاً أو مراً لا يقدر على شربه ‏{‏فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ‏}‏ فهلا تشكرون‏.‏ ودخلت اللام على جواب لو في قوله ‏{‏لَجَعَلْنَاهُ حطاما‏}‏ ونزعت منه هنا، لأن «لو» لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط ولم تكن مخلصة الشرط ك «إن» ولا عاملة مثلها وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقاً من حيث إفادتها في مضموني جملتيها، أن الثاني امتنع لامتناع الأول افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علماً على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علماً على ذلك، ولما شهر موقعه لم يبال بإسقاطه عن اللفظ لعلم كل أحد به وتساوي حالي حذفه وإثباته، على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغنٍ عن ذكرها ثانية، ولأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد لا محالة فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أن المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعاً للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب‏.‏

‏{‏أَفَرَءيْتُمُ النار التى تُورُونَ‏}‏ تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر ويسمون الأعلى الزند والأسفل الزندة شبهوهما بالفحل والطروقة ‏{‏ءأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا‏}‏ التي منها الزناد ‏{‏أَم نَحْنُ المنشئون‏}‏ الخالقون لها ابتداء ‏{‏نَحْنُ جعلناها‏}‏ أي النار ‏{‏تَذْكِرَةٌ‏}‏ تذكيراً لنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعاش وعممنا بالحاجة إليها البلوى لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به ‏{‏ومتاعا‏}‏ ومنفعة ‏{‏لّلْمُقْوِينَ‏}‏ للمسافرين النازلين في القواء وهي القفر، أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام من قولهم «أقوت الدار» إذا خلت من ساكنيها‏.‏ بدأ بذكر خلق الإنسان فقال ‏{‏أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ‏}‏ لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم، ثم بما فيه قوامه وهو الحب فقال ‏{‏أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ‏}‏ ثم بما يعجن به ويشرب عليه وهو الماء، ثم بما يخبز به وهو النار، فحصول الطعام بمجموع الثلاثة ولا يستغني عنه الجسد ما دام حياً ‏{‏فَسَبّحْ باسم رَبّكَ‏}‏ فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، أو أراد بالاسم الذكر أي فسبح بذكر ربك ‏{‏العظيم‏}‏ صفة للمضاف أو للمضاف إليه‏.‏ وقيل‏:‏ قل سبحان ربي العظيم وجاء مرفوعاً أنه لما نزلت هذه الآية قال‏:‏ اجعلوها في ركوعكم‏.‏

‏{‏فَلاَ أُقْسِمُ‏}‏ أي فأقسم و«لا» مزيدة مؤكدة مثلها قوله ‏{‏لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب‏}‏

‏[‏الحديد‏:‏ 29‏]‏ وقرئ ‏{‏فلأقسم‏}‏ ومعناه فلأَنا أقسم، اللام لام الابتداء دخلت على جملة من مبتدأ وخبر وهي «أنا أقسم»، ثم حذف المبتدأ‏.‏ ولا يصح أن تكون اللام لام القسم لأن حقها أن تكون اللام لام القسم لأن حقها أن تقرن بها النون المؤكدة ‏{‏بمواقع النجوم‏}‏ بمساقطها ومغاربها ‏{‏بموقع‏}‏ حمزة وعلي، ولعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالاً مخصوصة عظيمة أو للملائكة عبادات موصوفة، أو لأنه وقت قيام المتهجدين ونزول الرحمة والرضوان عليهم فلذلك أقسم بمواقعها واستعظم ذلك بقوله ‏{‏وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ‏}‏ وهو اعتراض في اعتراض لأنه اعترض به بين القسم والمقسم عليه وهو قوله ‏{‏إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ‏}‏ حسن مرضي أو نفاع جم المنافع أو كريم على الله، واعترض ب ‏{‏لَّوْ تَعْلَمُونَ‏}‏ بين الموصوف وصفته ‏{‏فِى كتاب‏}‏ أي اللوح المحفوظ ‏{‏مَّكْنُونٌ‏}‏ مصون عن أن يأتيه الباطل أو من غير المقربين من الملائكة لا يطلع عليه من سواهم ‏{‏لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون‏}‏ من جميع الأدناس أدناس الذنوب وغيرها إن جعلت الجملة صفة ل ‏{‏كتاب مَّكْنُونٍ‏}‏ وهو اللوح، وإن جعلتها صفة للقرآن فالمعنى لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس والمراد مس المكتوب منه ‏{‏تَنزِيلَ‏}‏ صفة رابعة للقرآن أي منزل ‏{‏مِن رَّبّ العالمين‏}‏ أو وصف بالمصدر لأنه نزل نجوماً من بين سائر كتب الله فكأنه في نفسه تنزيل ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه فقيل‏:‏ جاء في التنزيل كذا ونطق به التنزيل، أو هو تنزيل على حذف المبتدأ‏.‏

‏{‏أفبهذا الحديث‏}‏ أي القرآن ‏{‏أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ‏}‏ متهاونون به كمن يدهن في بعض الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به ‏{‏وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ‏}‏ أي تجعلون شكر رزقكم التكذيب أي وضعتم التكذيب موضع الشكر‏.‏ وفي قراءة علي رضي الله عنه وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ‏}‏ أي تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليهم والرزق المطر أي وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله حيث تنسبونه إلى النجوم‏.‏

‏{‏فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ‏}‏ النفس أي الروح عند الموت ‏{‏الحلقوم‏}‏ ممر الطعام والشراب ‏{‏وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ‏}‏ الخطاب لمن حضر الميت تلك الساعة ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ‏}‏ إلى المحتضر ‏{‏مِنكُمْ ولكن لاَّ تُبْصِرُونَ‏}‏ لا تعقلون ولا تعلمون ‏{‏فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ‏}‏ مربوبين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم ‏{‏تَرْجِعُونَهَا‏}‏ تردون النفس وهي الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ أنكم غير مربوبين مقهورين‏.‏ ‏{‏فَلَوْلا‏}‏ في الآيتين للتحضيض يستدعي فعلاً وذا قوله ‏{‏تَرْجِعُونَهَا‏}‏ واكتفى بذكره مرة، وترتيب الآية فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين، و‏{‏فَلَوْلا‏}‏ الثانية مكررة للتأكيد ونحن أقرب إليه منكم يا أهل الميت بقدرتنا وعلمنا أو بملائكة الموت، والمعنى أنكم في جحودكم آيات الله في كل شيء، إن أنزل عليكم كتاباً معجزاً قلتم سحر وافتراء، وإن أرسل إليكم رسولاً صادقاً قلتم ساحر كذاب، وإن رزقكم مطراً يحييكم به قلتم صدق نوء كذا على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثمة قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد‏؟‏‏.‏

‏{‏فَأَمَّا إِن كَانَ‏}‏ المتوفي ‏{‏مِنَ المقربين‏}‏ من السابقين من الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة ‏{‏فَرَوْحٌ‏}‏ فله استراحة ‏{‏وَرَيْحَانٌ‏}‏ ورزق ‏{‏وجنات نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أصحاب اليمين * فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين‏}‏ أي فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين أي يسلمون عليك كقوله ‏{‏إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما‏}‏ ‏{‏وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضالين‏}‏ هم الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة وهم الذين قيل لهم في هذه السورة ‏{‏ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالون المكذبون‏}‏ ‏{‏فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ‏}‏ أي إدخال فيها‏.‏ وفي هذه الآيات إشارة إلى أن الكفر كله ملة واحدة، وأن أصحاب الكبائر من أصحاب اليمين لأنهم غير مكذبين ‏{‏إِنَّ هَذَا‏}‏ الذي أنزل في هذه السورة ‏{‏لَهُوَ حَقُّ اليقين‏}‏ أي الحق الثابت من اليقين ‏{‏فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم‏}‏ رُوي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته فقال له‏:‏ ما تشتكي‏؟‏ فقال‏:‏ ذنوبي‏.‏ فقال‏:‏ ما تشتهي‏؟‏ قال‏:‏ رحمة ربي‏.‏ قال‏:‏ أفلا تدعو الطبيب‏؟‏ قال‏:‏ الطبيب أمرضني‏.‏ فقال‏:‏ ألا نأمر بعطائك‏؟‏ قال‏:‏ لا حاجة لي فيه‏.‏ قال‏:‏ ندفعه إلى بناتك‏.‏ قال‏:‏ لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً» وليس في هذه السور الثلاث ذكر الله‏:‏ اقتربت، الرحمن، الواقعة، والله أعلم‏.‏